ابن قيم الجوزية
105
الروح
ولما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادث برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلغته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره . ( وحدثني ) صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن الرزيز الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان ، قال : فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور ، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج ، والميت في وسطه ، فجعلت أمسح عيني وأقول : أنائم أنا أم يقظان ؟ ثم التفت إلى سور المدينة وقلت : واللّه ما أنا بنائم ، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش « 1 » ، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل ، ثم دخلت البلد ، فسألت عن صاحب القبر ، فإذا به مكاس « 2 » قد توفي ذلك اليوم . فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة ، والجن تقع أحيانا لمن شاء اللّه أن يريه ذلك . ( وقد ذكر ) ابن أبي الدنيا في كتاب ( القبور ) عن الشعبي أنه ذكر رجلا ، قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج فيفعل ذلك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة » . ( وذكر ) من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال : بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محقب إدارة ، إذ مررت بمقبرة ، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها ، فقال : يا عبد اللّه انضح ، يا عبد اللّه انضح ، فو اللّه ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس ، قال : فخرج آخر ، فقال : يا عبد اللّه لا تنضح ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره . ( وقال ) ابن أبي الدنيا ، وحدثني أبي ، وحدثنا موسى بن داود ، وحدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة ، فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفدا في الحديد ،
--> ( 1 ) أي متحير . ( 2 ) أي من يجبي العشار .